جاري تحميل الموقع . يرجى الانتظار
رثاء 09 سبتمبر 2019

عـزام أبو السعـود

 اشتر زمنـاً في القـدس

 مرة أخرى أجد طيف فيصل الحسيني وكلماته وتعبيراته تلاحقني كلما حاولت الامساك بالقلم لأكتب، وكأن عقلي منذ أيام أربعة قد أقفل إلا عن ذكريات ومواقف كنت شاهدا عليها، وكان فيصل عقلها ومخططها ومنفذها. وعندما أعدت قراءة ما كتبته عن فيصل وأنا في "بيت الشرق" بعد ساعات خمس من سماعي نبأ وفاته، قلت في نفسي أنني لم اوف الرجل حقه، فقد غفلت عن ذكر الكثير من مواقفه، من تعبيراته، من أفكاره وآماله وطموحاته التي جاء القدر المحتوم ليبقيها فكرة تحتاج إلى من ينفذها بعد رحيل صاحبها.

سمعته عدة مرات وهو يطرح فكرة اشتر زمنا في القدس، فقد قام أبو العبد بعمليات حسابية لاحتياجات مؤسسات القدس العربية، وتغطية عجزها المالي الناتج عن مصاريفها الجارية، لتتمكن من تأدية عملها بشكل يضمن استمراريتها، وأداء خدماتها للمجمتع المقدسي بشكل مقبول، حيث أن جميع مؤسسات القدس في ضائقة مالية واضحة وأول هذه المؤسسات بيت الشرق نفسه.

هذه الحسابات أوصلته إلى أن مؤسسات القدس بحاجة إلى 30 مليون دولار سنوياً لتغطية عجزها في مصاريفها الجارية، وعندما قسم هذا المبلغ على عدد أيام السنة، ثم على عدد ساعات اليوم فعدد دقائقه وعدد ثوانيه، وصل إلى أن مؤسسات القدس بحاجة إلى دولار واحد كل ثانية. وكان فيصل يريد أن يبيع وقتا في القدس في الداخل والخارج، يشتريه من يحب القدس، كل بحسب امكانياته وقدراته، فمن اراد شراء خمس ثوان في القدس فالثمن هو خمس دولارات والدقيقة بستين دولارا والساعة بثلاثة الاف وستمائة دولار وهكذا.

أثناء التحضير لجلسة القدس في مؤتمر المغتربين في العام الماضي الذي كان مقررا أن يعقد في الغرفة التجارية، والذي كان يهدف إلى تشجيع الاستثمار، طلبت من أبي العبد أن يخصص جزءا من كلمته في المؤتمر لموضوع "إشتر زمناً في القدس". وعندما منعتنا السلطات الإسرائيلية من عقد المؤتمر في القدس، وحضر المغتربون إلى مدخل الغرفة، ومنعتهم الشرطة من الدخول إلى قاعتها، وبدأ عقد المؤتمر في الشارع، اعتلى أبو العبد ظهر إحدى السيارات وبدأ يخطب في المغتربين، منددا بقرار منع عقد المؤتمر وتحول المؤتمر الاقتصادي إلى تظاهرة وطنية في الشارع.

لم يتحدث أبو العبد عن فكرة "إشتر زمناً في القدس".. وعندما تراجعت الشرطة عن قرارها وسمحت باستكمال أعمال المؤتمر في قاعة كلية هند الحسيني للبنات، مقابل أن تتوقف التظاهرة في الشارع، وقرب نهاية جلسة المؤتمر الذي استكمل عمله دون وجود فيصل، وجدته يدخل قاعة هند الحسيني فجأة، ويطلب السماح له بالكلام. كان حديثه هذه المرة عن فكرة "إشتر زمناً في القدس" حتى يستمر تدفق الدم في شريان الحياة لمؤسسات القدس، وعلى رأسها بيت الشرق، الذي نريده أن يبقى ويستمر عطاؤه بعد غياب مؤسسه الذي جعل منه معلماً رئيسياً من معالم القدس، ومرجعاً لأهلها، ومنبراً للدفاع عن حقوقهم والمحافظة على الوجه العربي المشرق للقدس، حتى تطمئن روح فيصل إلى أن هناك من سيُتابع مشواره النضالي الحافـل".

المصدر: جريدة "القدس" 7/6/2001