سياسات اسرائيل العنصرية في القدس المحتلة
آذار 2008

تقضي سياسات إسرائيل بسرعة، وفي كثير من الحالات بصورة لا يمكن عكسها، على امكانات قيام دولتين قابلتين للحياة. ستعمل اقامة دولة فلسطينية غير قابلة للحياة على إدامة ظروف الحياة المتدنية للفلسطينيين ولن تحقق الطموحات الفلسطينية السياسية والوطنية، وستجعل هذه الدولة معتمدة بصورة دائمة على إسرائيل والمجتمع الدولي. باختصار، ستحرم الفلسطينيين من أي استقلال أو سيادة حقيقيان، وهو خيار لا يمكن للفلسطينيين القبول به.

 

لمحة تاريخية

لقد أعلنت إسرائيل بصورة واضحة ومراراً بأن هدف سياساتها في القدس المحتلة هو الحفاظ على الأغلبية الديمغرافية اليهودية في القدس. تم الاعلان عن هذا الهدف للمرة الأولى بصورة رسمية في تقرير للجنة وزارية داخلية لفحص نسبة التنمية في القدس. أوصى هذا التقرير بوجوب الحفاظ على "التوازن الديمغرافي لليهود والعرب كما كان في نهاية عام 1972". كانت النسبة في ذلك الوقت هي 73.5% يهود و26.5% فلسطينيين. منذ ذلك الوقت، أعيد توضيح ذلك الهدف السياسي في مرات عديدة في ايجازات السياسة الاسرائيلية، والبيانات الصحفية وحتى في خطط التنمية الرسمية. لكن يجب الملاحظة أنه بصرف النظر عن الارادة الشعبية وقدرة الحكومة الاسرائيلية على التشريع وتطبيق السياسات العنصرية، إلا أن النظام الحالي للحفاظ على الأغلبية اليهودية هو غير مستقر ولا يمكن الحفاظ عليه. تُشير أرقام نمو السكان في عام 2007 إلى أن نسبة نمو السكان الفلسطينيين هي 3.3% في السنة ، بينما هي 1.2% في السنة لدى السكان اليهود. وصل عدد السكان الفلسطينيين في القدس في عام 2007 إلى 260,000 نسمة أو 33.3% من مجموع السكان في المدينة.

من أجل متابعة هذا الهدف، اتخذت حكومة إسرائيل اجراءات نظامية خلال الأربعون سنة الماضية من الاحتلال. ترتقي الاجراءات الاسرائيلية المختلفة في القدس المحتلة إلى سياسة أو نمط التميز العنصري. منذ الاحتلال الاسرائيلي للقدس الشرقية في عام 1967، مارست إسرائيل بصورة نظامية اجراءات تهدف إلى تخفيض عدد السكان الفلسطينيين ونقل سكانها إلى المنطقة من أجل تحقيق مكاسب قومية استراتيجية. تبني هذه السياسات على تشريد معظم السكان الفلسطينيين من القدس الغربية في عام 1948.

ادناه شرح حول بعض من هذه الاجراءات الإسرائيلية في القدس المحتلة:

1. مصادرة الأراضي والتوسّع الاستيطاني الاسرائيلي
خلال الأربعون عاماً الماضية من عمر الاحتلال، استخدمت إسرائيل العديد من الاستراتيجيات للسيطرة على الأراضي الفلسطينية في القدس الشرقية عن طريق التلاعب بالتخطيط الحضري ووضع القيود على رخص البناء. من أجل دعم هذه الاستراتيجيات، وسّعت إسرائيل بصورة أحادية وغير قانونية الحدود البلدية للقدس الشرقية العربية من 6.5 كيلومتر مربع أثناء الحكم الأردني إلى 72 كيلومتر مربع مما جعلها تصل بصورة أعمق إلى داخل الضفة الغربية. صادرت إسرائيل إلى الآن من هذه المنطقة الموسّعة 49% من الأرض الفلسطينية لبناء المستوطنات والطرق والبُنى التحتية للمستوطنين. إضافة إلى مصادرة 41% من الأرض غير المطوّرة "كمناطق خضراء"، وتركت فقط 10% من مساحة 72 كيلومتر مربع للاستخدام الفلسطيني. كما زاد البناء الاستيطاني غير القانوني أعداد السكان اليهود في القدس المحتلة إلى أكثر من 184,700 مستوطن.

2. مصادرة بطاقات الهوية المقدسية

إن مصادرة السلطات الاسرائيلية لبطاقات هوية سكان القدس الفلسطينيين الذين يعيشون خارج المدينة (في الضفة الغربية أو في الخارج) تحرمهم من وضع المقيم في القدس ويمكن أن تمنعهم بصورة دائمة من القدرة على العودة إلى مسقط رأسهم في القدس الشرقية. وفقاً لمنظمة بيتسيلم، وهي منظمة حقوق إنسان إسرائيلية، تمّت مصادرة 8,269 بطاقة هوية منذ عام 1967 ممّا اضرّ بأكثر من 18% من العائلات الفلسطينية في القدس المحتلة. في عام 2006 فقط، صودرت 1,363 بطاقة هوية، وهذا يمثّل زيادة بنسبة 500% عن عام 2005. هذا هو العدد الأكبر من بطاقات الاقامة الدائمة الملغية منذ وضع سياسة "مركز الحياة" في عام 1995 من قبل وزارة الداخلية الاسرائيلية.

تتضاعف أضرار هذه السياسة لأن كثير من المقدسيين يعيشون خارج القدس عندما يتزوجون من فلسطينيين غير مقدسيين بسبب الحظر الذي تفرضه إسرائيل على توحيد الشمل الفلسطيني.

3. نقص واكتظاظ الاسكان لدى الفلسطينيين
هنالك نقص مزمن في الاسكان في المناطق الفلسطينية من القدس المحتلة ومستوى عالٍ من الاكتظاظ. إن القيود على البناء والمساحة المحدودة التي يُسمح فيها بالتنمية الفلسطينية، إضافة إلى تدفق الفلسطينيين الذين يعودون إلى القدس من أجل الحفاظ على حقوق اقامتهم، جعلت الاكتظاظ معضلة رئيسية في كثير من المناطق الفلسطينية في القدس.

كان معدل الاكتظاظ السكاني للغرفة في عام 2007 ضعفي ما هو عليه لدى اليهود، وما زالت المشكلة تتفاقم. يعيش المستوطنين غير القانونيين البالغ عددهم 184,700 مستوطن في 55,000 وحدة سكنية في القدس. بينما يُجبر السكان الفلسطينيين الأصليين البالغ عددهم 260,000 نسمة على العيش في 30,000 وحدة سكنية فقط. فيما يتعلق بالنسب، يمثّل السكان الفلسطينيين في القدس المحتلة 58% من السكان ويعيشون في 35% من مجموع الوحدات السكنية، مقارنة بالمستوطنين الذين يشكّلون 42% من مجموع السكان ومع ذلك يحتلون 65% من مجموع الوحدات السكنية. كدليل عل أثر هذه السياسة، ووفقاً لجهاز الاحصاء المركزي الاسرائيلي، كانت أعداد الفلسطينيين الذين تركوا القدس 1,740 نسمة في عام 2002، 1,390 نسمة في عام 2003، 910 نسمة في عام 2004، 920 نسمة في عام 2005، و1,150 نسمة في عام 2006.

4. هدم المنازل الفلسطينية
استمرّت السلطات الاسرائيلية في هدم المنازل الفلسطينية في القدس المحتلة من أجل نزع الملكية من العائلات الفلسطينية وتغيير معالم القدس. وفقاً لجهاز الاحصاء المركزي الفلسطيني، تم هدم 78 منزل فلسطيني في عام 2006 في منطقة بلدية القدس وفقاً للتعريف الاسرائيلي. تُشير التقديرات إلى أنه تم تدمير ما مجموعه 3,000 منزل منذ عام 1967، بما في ذلك العديد من المواقع التاريخية والدينية مثل تدمير الحي المغربي التاريخي في البلدة القديمة من القدس. تتواصل سياسة الهدم هذه كما تدل على ذلك آلاف أوامر هدم المنازل قيد التنفيذ، والتدمير المتواصل للمنازل الذي يجري حالياً في سلوان.

أدّت تعمليات الهدم هذه إلى تشريد آلاف الفلسطينيين من منازلهم وساهمت في تهجيرهم من القدس المحتلة.

5. آثار الاغلاق العسكري الاسرائيلي وتشييد الجدار حول القدس

بينما يأتي لزيارة القدس المحتلة ما معدله مليون سائح في السنة من مختلف أنحاء العالم، هنالك مجموعة وحيدة محرومة من دخول المدينة المقدسة تعيش على حدودها. استمر الاغلاق العسكري الاسرائيلي في اعاقة قدرة الفلسطينيين على دخول القدس المحتلة وازداد سوءاً منذ أن أصبح الاغلاق دائماً في آذار من عام 1993. ومع التشييد غير القانوني المتواصل للجدار داخل وحول القدس المحتلة، تتلاشى باستمرار حقوق الفلسطينيين وقدرتهم على العيش في القدس والوصول إليها وتزداد صعوبة مع تحول الاغلاق والجدار إلى حدود واقعية (لكن غير معترف بها).

ما زالت احدى الدلالات المباشرة على سياسة إسرائيل هي منع ثلاثة ملايين فلسطيني مسلم ومسيحي من الوصول إلى أماكنهم الدينية في القدس المحتلة. كما قيّد الاغلاق والجدار بصورة حادة التجارة والتبادل التجاري داخل وعبر وحول القدس بفصل شمال الضفة الغربية المحتلة عن جنوبها، وبذلك منع حركة البضائع والأشخاص إلى المركز الاقتصادي الفلسطيني التقليدي للقدس المحتلة.