جاري تحميل الموقع . يرجى الانتظار
رثاء 01 يناير 2016

 إلياس خوري

نعش الحسيني الثالث الذي حرر القدس

كانت في صوتها رنة غريبة، مزيج من الحزن والفرح، كأن الصوت لم يكن مصدقا ما يقول جاء صوت ليلى على الهاتف، كانت الساعة الثانية عشرة ليلا، وقالت إنها تكلمني من القدس قالت القدس ورفوف الفرح على صوتها الحزين، ثم بدأت تروي، ولم يكن الأفق قادرا على نقل الكلمات، كانت الكلمات تطوق رومي، وهي ترتسم كصورة لنعش يطير فوق القدس.

 لم أدر هل أعزيها أم أهنئها، هل أبكي فيصل الحسيني أم أفرح لطوافه الأخير محمولا فوق مدينته المحررة.

 كنت حائرا، وكأن الصوت القادم من القدس ينقل لي مزيج الحزن والفرح، ثم لا أعرف كيف اجتاحتني رعشة البكاء، لم أبك لكنني أحسست بالبكاء، ورأيتني معهم هناك أمام باب العامود أحمل النعش كعلم.

 لا أدري ماذا شعر الحسيني في الكويت، وهو يتلقى ذلك السيل من الإهانات، قال لهم أنه قادم من القدس، وأراهم وشم الشهادة المرسوم على جبينه، لكنهم لم يروا، فذهب إلى غرفته، وقال أحزانه لقلبه.

وهنا الخطأ

 أخطأ الحسيني الثالث لأنه روى أحزانه لقلبه، فقلوبنا لم تعد تحتمل، علينا أن لا نخبر القلب ما تراه العين، لأن القلب إذا رأى، فإنه سوف ينزف حتى الموت.

 أخطأ الحسيني الثالث لكنه أصاب، فالقدس كانت في حاجة إليه كي تطرد الجيش الذي يحتلها منذ ثلاثة وثلاثين عاما. القدس المحاصرة بالمستوطنات كرهت نفسها من ثقل أقدام المستوطنين، ومن اللغة المجنونة التي يريدون دفنها فيها.

 قالت القدس إنها مدينة أهلها، وليس مدينة التواريخ العتيقة، وإن أسطورتها ليست ماضيها.. رغم ثقل هذا الماضي وبهائه، أسطورتها تصنع اليوم وصنعت في الأمس، صنعتها مقاومة الانتداب البريطاني ومواجهة الغزو الصهيوني ورفض الاحتلال.

 هذه هي القدس.

إنها ليست الماضي الذي نحن إليه، بل هي الحاضر الذي يصنعه المقاومون، لذلك حين ارتفع النعش فوق الأيدي، وطار فوق المدينة، لم تجد المدينة سوى العلم الفلسطيني، فتدثرت به، العلم لا يغطي النعش فقط، العلم يغطي المدينة ويحررها، فلم يجد جيش الدفاع الإسرائيلي بداً من إخلاء الشوارع وترك المدينة لأهلهـا.

 النعش الذي حرر القدس لساعات، كان نعش رجل عاش في المدينة، ودخل سجونها ونام على البلاط العاري، وقاد التظاهرات كان رجلا من هناك، من حاضر يبحث عن الحرية، ومن حلم يبحث عن وسيلة للوصول إلى أول الحق الفلسطيني.

 كان ذلك يوم الجمعة، حين استعاد المسجد الأقصى حريته، وفتح ذراعيه لاستقبال الابن العائد الذي قرر أن يختلط ترابه بتراب مدينته.

لكن المدينة لم تستطع أن تستيقظ على حريتها.

فالجندي الإسرائيلي، ومعه هذا العلم "المتمدن" الأرعن، يعتقد أنه يستطيع أن يقتل دون أن يُقتل.

 جاءت عملية تل أبيب، وبدأت طبول الحرب تقرع، فالعالم ينتظر من الفلسطيني أن يموت لا أن يُقتل، يموت كي يحظى بعطف محدود، لا يتجاوز كلمات متلعثمة عن حقوق فلسطينية غائمة وغير محددة. أما حين يندفع الفلسطيني إلى الاستشهاد ويقوم بعملية انتحارية يقتل فيها ويُقتل، فإن العالم بأسره يصبح معينا بالضحايا الإسرائيليين وحدهم.

 أنا لا أدافع عن العمليات الانتحارية في وسط إسرائيل، فهي عمليا لا تحقق شيئا وإنجازها الوحيد هو حشد التأييد الإسرائيلي والعالمي لجنون شارون السفاح.

وأنا اعتقد أن أخلاق الضحية يجب أن تسود في الحياة الفلسطينية وهي تعلن انتفاضة الأقصى – الاستقلال. وأن الانتفاضة الطويلة التي يخوضها الشعب الفلسطيني يجب أن تعود إلى الانتفاضة الطويلة التي يخوضها الشعب