جاري تحميل الموقع . يرجى الانتظار
رثاء 10 أكتوبر 2015

 محمود الريماوي

دروس في سيرة فيصل

قادة فلسطينيون، وعرب قلائل حظوا بما حظي به فيصل الحسيني من تكريم ما أن شاع نبأ وفاته المفاجئة والمؤلمة، ولا شك أن هذا التكريم الذي اتخذ مظاهر عدة، من التأثر الشديد لفقده إلى استذكار سجاياه وتاريخه الحافل بمختلف أشكال المواجهة والصمود، إلى اقتران اسمه بعروبة القدس.. لا شك إذا أن هذا التكريم الشعبي والرسمي يشكل في أبرز معانيه تزكية لخيارات الرجل وأسلوبه الكفاحي وخطه السياسي. وهذه التزكية العالية تستحق التأمل، وفي حسبان المرء أنها لم تصدر عن مجرد توفير الموت والانحناء للراحل، وبدليل أن شخصيات عدة غيبها الموت، لم تنل ما ناله فيصل الحسيني من تثمين عال لشخصه ودوره ومواقفه ون دون الانتقاص بطبيعة الحال من أدوراها في العمل الوطني العام، ومغزى ذلك كله أنه بات من الواجب استخلاص "دروس" من ذلك التأبين الدافئ والحميم الذي استحقه الحسيني، ما أن شاع نبأ مفارقته دنيانـا.

أول هذه الدروس أن القدس تحتل بالفعل موقعاً ثابتاً وعميقاً في نفوس العرب من مسلمين ومسيحيين. وكما كان فيصل ابناً أميناً للمدينة المقدسة، وأبرز حاملي اسمها والمبشرين بخلاصها والكاشفين الصدوقين عن عذابات أسرها، فقد كان من الطبيعي أن تستشعر أوسع قطاعات الرأي العام بما في ذلك خارج العالم العربي شعور الفجيعة لغياب "حارس المدينة المقدسة" وذلك في أجمل وصف أطلقه عليه مشيّعوه يوم الجمعة الحزينة الماضية، وذلك بسبب غياب الفقيد في ذروة احتدام المعركة السياسية حول القدس، في سبيل تخليصها من أسرها. ولما كانت بيت المقدس هي بمثابة القلب من فلسطين، فقد جاء غياب الراحل الكبير ليسبغ رصيداً معنوياً إضافياً على القضية الفلسطينية، علاوة على التصنيع الفعلي الذي حققه الفقيد إبان حياته الحافلة بالعطاء الموصول. وعليه، فإن غياب فيصل سمح مرة أخرى ببقاء قضية القدس مفتوحة ومدرجة في صدارة كل جدول أعمال، وكذلك في ضمائر العرب من مسلمين ومسيحيين، وكذلك من متدينين وعلمانيين، يجمعون معاً على أن القدس كانت وستظل عاصمة التاريخ والمستقبل، كما أنها عاصمة روحية وسياسية بأوسع معـان تحملها هذه الكلمات.

أما الدرس الثاني الذي يستحق استخلاصه، من هذا الالتفاف العريض حول الرجل وما يحمله من مآثر وسجايا، فيتمثل في أن الرأي العام الفلسطيني والعربي وبأوسع مكوناته، وخلافاً لأية تقديرات أخرى، ما زال يحمل إيماناً عالياً بالسلام العادل. وأن الفروق ليست شاسعة في الميزان العملي، بين المؤمنين بتحرير كل فلسطين، وبين المؤمنين بسلام عادل يوجب استعادة الأراضي المحتلة منذ العام 1967 وإعادة اللاجئين المشردين إلى ديارهم. أجل إن الفروق ليست شاسعة، خلافاً للمنطق الظاهري، فالجمهور يدرك بخبرته الحسية، أن استعادة الأراضي المحتلة منذ العام 1967، هي أكبر برهان على كفاءة أي مشروع سياسي ونجاعته، سواء توقف عند إزالة أثار عدوان 1967، أو امتد لاستعادة حقوق تاريخية أصيلة.

ومن المعلوم أن الراحل الكبير فيصل الحسيني، كان من أنصار السلام العادل: الانسحاب إلى حدود 1967، وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس، وثمة من ينعته برجل الحوار والاعتدال والواقعية. لا شك أن اختزال ابن القدس البار بهذه الأوصاف، على صحتها، ينطوي على ظلم كبير للرجل فقد استهل حياته بالانتماء إلى حركة القوميين العرب، وهي من أبرز التيارات القومية التي نادت بوحدة العرب وتحرير أقطارهم. ثم انتمى إلى حركة "فتح" الرائدة في الكفاح المسلح، وعرفته السجون الإسرائيلية مرات عدة نزيلا شبه دائم فيها، ما أن يغادرها حتى يؤوب إليها، وبين فترة اعتقال وأخرى كان يتعرض إقامة جبرية تحصي عليه حركاته وسكناته. وما أن يتسنى له متنفس قصير، حتى يتعرض لسوءات المستوطنين واستفزازاتهم الشنيعة، حيث تضم المدينة المقدسة أسوأ قطعانهم.

وبين هذه الأشكال المتعددة من العمل التنظيمي والميداني، ومقارعة الجلادين وراء القضبان أعطى فيصل الحسيني حيزا مهماً للسجلات السياسية الإعلامية مع أبواق الاحتلال الاستيطاني والعسكري، فضلا عن إنشائه مركز الدراسات العربية، الذي لم يلبث أن تحول إلى "بيت الشرق" كعنوان ومقر سياسي لمنظمة التحرير، وكمركز معتمد للسفراء والقناصل الأجانب، وقد دارت فيه بعض الاتصالات التحضيرية المهمة للمشاركة الفلسطينية في مؤتمر مدريد، وفي وقت كان يحرم فيه الاحتلال أي وجود سياسي فلسطيني في المدينة المقدسة تحت طائلة أشد العقوبات. وقبل ذلك زاول فيصل الحسيني نشاطاً نضالياً موصولا وسرياً في قيادة الانتفاضـة منذ الـعام 1987 مـع كوكبة مـن رفاقـه، في مقدمتهم الشخصية اللامعة حنان عشراوي.

هذه الأدوار الكفاحية بالغة التعدد والغنى، التي أداها فيصل الحسيني باقتدار وصلابة، مع احتفاظه بخصاله الشخصية التي تجمع بين التواضع والأمانة واللطف، هي التي جعلت صورته تتشكل في الوعي العربي والفلسطيني كضمير للقدس، وكمناضل لا تلين له قناة وكسياسي ومفاوض محنك وشديد المراس وكنموذج أخلاقي يستحق كل توفير وتبجيل. ومغزى ذلك كله، ومع حفظ حق كل خيار آخر في الاحترام أن خيار السلام العادل يحظى بالفعل بتأييد واسع وعريض، وأن الأمر منوط، ولعل هذا هو الدرس الثالث، بحسن الأداء ونجاعته، وبالجسارة السياسية والمعنوية، والإيمان الذي لا يتزعزع بعدالة القضية ووحدة الشعب والنجاح في أداء دور القدوة، وهذه المزايا اجتمعت بصورة نادرة وتكاد تكون عبقرية في شخص الراحل الكبير والحبيب فيصل الحسيني، ولذلك لم يكن غريباً أبداً ما ناله من فيض المحبة وغامر الحزن، مع الإيمان بأن إرثه الحي سوف يتواصل إلى أن يتحقق الهدف الغالي في الحرية والاستقلال، وعودة المشرّدين إلى ديارهــم.

 عـن "الخليـج" حزيران 2001