جاري تحميل الموقع . يرجى الانتظار
رثاء 09 سبتمبر 2016

حسين حجازي

فيصـل الكبيــر..!

 خلال السنوات العشر الأخيرة، التي مثلت درجات السلم الأخيرة والنهائية، والتي صعد عليها هذا الرجل العظيم قبل أن يبلغ أخر ذراه، أن يقدم تقريره النهائي أتيح لي أن أضع خلال هذا السير الذي مشت عليه قدماه، بعض الخطوط تحت عدد قليل من الكلمات التي نقلتها في أوقات متفاوتة عن فيصل الحسيني.

 في ذروة النقاش العالمي، الذي أصاب الفكر السياسي بهوس اكتشاف غروب واضمحلال مفهوم الدولة، بل ربما ذهب البعض إلى وضع شاهد العبر عليها، عند انقلاب التسعينيات، قال فيصل الحسيني، إن مفهوم الدولة الإطار قد يكون في طور الوفاة، ولكننا نحن الفلسطينيين نحتاج إلى هذه الدولة، أن تكون لنا دولة، حتى ولو لمدة عشر سنوات، فيصل الحسيني لن يكمل صعود درجات السلم حتى بلوغ هذه الذروة، لكنه في ذروة الشك النابع من حسابات الوقائع المادية، ما كان يسمح لنفسه أن يقع في خطأ الفهم المضلل والسوقي للتاريخ، من أنه لكيما تغرب الدولة وتموت، أو تذهب إلى المتحف، يجب أولا أن توجد، أن يجتاز الفلسطينيون تجربتها، أن يمروا عليها.

 إن المسألة الرئيسية في تكوين وعي هذا الرجل وإسهامه، هي في هذه القدرة الفريدة التي ميزته، وتفوق بها على أقرانه، بألمعية التفكير والتحليل، والتي تجعل منه أقرب إلى طراز المفكرين الثوريين، منه إلى المظهر الذي طالما لازمه، كرجل سياسي أرستقراطي ينحدر من أصل نبيل وذي مزاج معتدل.

 لعل التقاطعات التي حملتها شخصيته، أبعاده الأربعة، هي الأكثر دلالة ومأساوية، كان ذا أبعاد في تكوينه، وهذا هو سحره وغرابته وفرادته، الصلابة الواقعية بشكل دقيق، ومزاجه المعتدل واسمه، الذي يحمل في إيحائه، هذا التداخل المثير في الجميع بين الأزمان والأحقاب، هو آخر الفياصل العظماء، فيصل الاسم المحبب في حقبة الأمراء والملوك والأشراف، وولد في العراق ومات في الكويت، وتلك الرافعة النبيلة التي لا تصمد أمام الاندفاع حتى التهور، هل هو تهور في التصدي للضربات بالأيدي العارية والرأس، والموت المأساوي الذي يجسده الجد والابن والحفيد.

 الكلمة الثانية، بعد وقت قصير من اندلاع الانتفاضة الراهنة، وكان هو أحد صناع الانتفاضة الأولى، التي كانت اكتشاف القوة الكامنة في الضعف، والجماهيرية، قبل انهيار سور برلين، التي كانت الطلقة الأولى في انهيار الاحتلال، ونظرية توازن القوة، الجملة البليغة: أن العمل الميداني دون سياسة هو نوع من العدمية، والمفاوضات دون عمل ميداني هي من قيل العبثيـة.

 يصر فيصل الحسيني على استخدام كلمة الميدان دوماً، يقول سوف يكون لنا رد على ذلك في الميدان، بعده الآخر أنه رجل ميدان، الميدان مملكته، وفي قلب هذا الميدان قدسه، التي لا يملك بها بيتاً، يا للمفارقة، عندما توفي جمال عبد الناصر لم يكن يملك هو أيضاً بيتاً، لكن المعنى والعبارة هما أوضح من أي خطأ أو التباس، القتال والتفاوض، أي التوازن الدقيق بين السياسة ومسرح العمليات، الميدان. حيث الهدف الاستراتيجي، الرؤية، هي التي تؤطر العمل الميدان وهذا الأخير خادم لهذا الهدف.

 هذا كان حذراً من عدم الذهاب إلى مؤتمر شرم الشيخ في حينه، الذي ينتج عنه تقرير ميتشيل، لكن سيكتب يوماً التاريخ الفلسطيني، أن فيصل الحسيني الذي لم يرتكب خطأ واحداً في التحليل، كان واحداً من أهم الشخصيات الذين لعبوا درواً حاسماً في تحطيم نظرية القيادة المحلية التي هي بديل عن القيادة التاريخية الفلسطينية، منذ العام 1982، الذي هو تحطيم رأس الأفعى كما كان يقول شارون، من يذكر الآن حجم الكتابات والدراسات التي نشرت في "فورن أفيرز" و"الفورن بوليسي" الشهيدتين وفي الدراسات الإسرائيلية حول هذا الوهم.

 وعلى مدى سنوات السلطة السبع، كان فيصل الحسيني الأكثر إدراكاً لمخاطر اللعبة التي تحيط بالفلسطينيين، تحت الشعارات واللافتات المبتذلة التي لوحتها الشمس لكثرة استخدامها المفرط في كل مرة يتعلق الأمر بإقامة سلطة وطنية، ووضع أمامه قضية القدس، معركته الشخصية، كان صاحب قضية.

 أما الكلمة الثالثة، التي وضعت في هذا المكان قبل أسبوعين فقط تحتها خطاً، فهي تحذيره لنا، للشعب الفلسطيني، من أنه يحظر علينا أن نفزع، في هذه المعركة من حجم ألامنا وخسائرنا وكان ذلك في ذروة الحملة الشرسة التي يشنها علينا أرئيل شارون، لكسر إرادة الشعب الفلسطيني، قال فيصل الحسيني ممنوع علينا أن نفزع أو أن نخاف.

 كان رجلا صلباً، ذا مزاج معتدل، والأصح، ذا انفعال عميق، فإيانا أن نخاف، أو نفزع، إيانا أن نفزع اليوم، ونحن نواريه الثرى، فالأبطال هم كالنجوم المضيئة في عتمة الليل والذين يسهرون على رعايتنا وهم أموات لكيما نهتدي إلى طريقنا، وألا نخاف، وهذه الخرافة تشبه الحقيقة، إن كان الوطن يعني حدثا تحت الرمال، لمن نحبهم، ونفجع لموتهم.

 والكلمة الرابعة أخيراً، هي تحليله المبكر للموجة الثالثة من الانحلال وإعادة التركيب، للتغير الذي يعصف بنظام التوازن الدولي، في انعطافته الأخيرة عند نهاية القرن العشرين، تحليله الذي لا يخلو من أصالة وعمق، لأول مسألة في الاستراتيجية، خلال التفاوض أم الحرب، وهي ميزان الفرص والمخاطر التي تطرحها المتغيرات في البيئة الخارجية، ويقينه النبوي، أن الشعب الفلسطيني قد يكون في ظل هذا المتغير الكبير أمام فرصته التاريخية.

 أما الرسالة التي ظل يبثها دوماً من دول كلل أو ملل، فهي تقييمه لجودة الحساب في المعركة حول القدس. هذه هي الخلاصة، رغم كل شيء، على مدى كثر من ثلاثين عاماً، ماذا ترون؟ هل استطاعوا تغيير هوية وجه القدس وطابع المدينة؟ وجهها وطابعها الذي ظل إسلامياً ومسيحياً وعربياً؟ كان هذا هو الاستنتاج الذي يستمد منه عزيمته في مواصلة القتال في الميدان.

 هل كان واثقاً من أن ثمرة الجهود التي بذلها على مدى سنوات حياته، سوف تصل إلى نهايتها المظفرة أخيراً، كما أراد، ورأى، وعمل؟

 هل يمكن لمن كان نصيبهم مثله، الغفو عند اللحظة التاريخية الحاسمة، لان قواهم خذلتهم وقد أوشكوا من ذروة القمة، أن يعرفوا نتيجة جهودهم، أو يبصروا إلى ما وراء هذه الغلالة الأخيرة؟ هل مات فيصل الحسيني دونما يقين أو حدس أخير؟

 لنريح أنفسنا نحن الذين نشقى بجراح هذه الأسئلة، النابعة من الفجيعة والمأساة، بأكثر مما تنبع من المنطق الداخلي للمأساة، لنريح أنفسنا على الأجوبة، لان ما هو مجاب، قد أجيب عنه من وقت مبكر، أن التاريخ يبكر عادة في القدوم.

 ليس أكثر من دلالة، على هذا الحدس الكبير، هذا اليقين العظيم، من المأساة الحزينة التي تنطوي عليها دلالة الموت للأشخاص، ذلك أن هؤلاء الأشخاص الذين غالباً ما يمنحون الأحداث منطقها، مسارها، صياغتها، هم أولئك الأشخاص أنفسهم، وقد كانوا الصناع والملهمين الكبار لتسلسلها، الأكثر توفراً على هذا اليقين، الذي يقارب الإيمان النبوي، أن فهمهم لدورهم التاريخي أن هذه الحبكة التاريخية التي يشاركون فيها، لا تقبل أي مجال للشك.

كان اندفاعه، اندفاعهم، هو الذي يشير إلى هذا الإيمان، اليقين، الذي لا يوحي بأي مجال للشك، وليس سوى هذه الثقة والجسارة، والبطولة، والنبالة، والتسامي، والرفعة العظيمة، ما يمنح هؤلاء الأشخاص، وقد كانوا قادرين على الطفو فوق الأحداث، هذه القدرة المتبصرة في أن ما يفعلونه كان شيئاً أكبر من إرادتهم،وهو يتجاوز دورهم، شيئا ما يقارب خلق شيء جديد الذي هو صنع تاريخ، ولعل في هذا القدر تكمن عظمته، والمصاب العام الذي يخلفه رحيله.

 إن فيصل الحسيني هو مزيج من هذه اللقطة التي تظهره وهو رابط الجأش، في الشاحنة التي ستقله عما قريب إلى الاعتقال، فيما نظرته الهادئة وسكون نفسه، يقارب سهو الأنبياء، ولكن لعل هذه النبالة الرفيعة ولكن التي لا تعتمد في تحاشي المخاطرة بالنزول إلى الميدان، واستنشاق الغاز، إن هذه بعض أجزاء اليوم الصور المتناثرة التي لا يمكن أن تكتمل من دول اللقطة الشهيرة، الصورة التي غدت بطاقة تاريخية، ومنحت الأحداث خلال السنوات العشر الأخيرة دلالتها، حيث فيصل الحسيني إلى جانب السيدة حنان عشراوي في كل مرة أمام جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي.

 موته الأخير في الكويت هو صورته الأخيرة، لكن لو كان فيصل الحسيني على قيد الحياة، لربما يجب أن لا يتحول موته إلى قضية بالضد مما ذهب أخيرا للكويت، من أجل أن يوحد ويؤلف بين القلوب، كان رجلا مخلصاً لقضيته، يدرك، يعمل من أجل ما يوحد، ما يوحد العرب والفلسطينيين ضد إسرائيل، لكن يمكن للفلسطينيين الانفكاك، فك التشابك الذي يبقيهم تحت سيطرة الإسرائيليين، كان رجل ألمعياً في فكره، محللا على مستوى رفيع، وسياسياً، قادراً على الإقناع، وقبل ذلك، له هذا السحر الشخصي الذي يشع على الآخرين، ولعل في موته هذا الاشعاع الذي كانه في حياته، فلنحترم رغبته الأخيرة في إعادة الكويت إلى فلسطين

جريدة "الأيام"2/6/2001