جاري تحميل الموقع . يرجى الانتظار
رثاء 10 أكتوبر 2015

همسات من فكر فيصل الحسيني

 بقلم: عيسى قسيسية

من مبنى بيت الشرق كانت البداية، والبداية كانت بولادة جمعية الدراسات العربية، حيث أسسها السيد فيصل الحسيني ورفاقه لإيجاد ملتقى ومنبر للقوى الوطنية ليعبروا من خلاله عن الموقف الفلسطيني، ليكون مكاناً تصنع في البرامج النضالية لمقارعة الاحتلال، لذا لم يجد الاحتلال إلا إغلاق الجمعية، واعتقال المناضل فيصل الحسيني حتى فرضت الانتفاضة الأولى برنامجها السياسي الذي أدى إلى التحضير لعملية السلام.

وحينها أعيد افتتاح مبنى الجمعية، وأصبح المقر والعنوان للوفد الفلسطيني لمفاوضات السلام، وهنا لم يكن أحد مدرك تماماً ما يفكر به السيد فيصل الحسيني، ولكن في الفترة التحضيرية لمؤتمر مدريد، أصبح مبنى بيت الشرق المقر المركزي لعملية السلام.

وعند التحضير لزيارة رئيس الوزراء البرتغالي ممثلا للاتحاد الأوروبي إلى المنطقة والقدس، ارتأى السيد فيصل الحسيني استقبال الضيف الكبير والوفد المرافق له في مبنى بيت الشرق، وخلال 48 ساعة كانت القاعة مجهزة لاستقبال ضيوفها وقام البروتوكول بكل ما يلزم لهذه المناسبة، وهكذا كانت الزيارة الأولى لرئيس وزراء البرتغال السيد (أنيبال كفاكو) في اكتوبر 1991 لبيت الشرق، والتي كانت فاتحة للقاءات أخرى مع شخصيات دولية كبيرة، بدءاً برؤساء الوزارات وإنتهاءاً بوزراء الخارجية وغيرهم من الشخصيات العالمية. وفي بيت الشرق تحدث أبو العبد عن السياسيات الإسرائيلية الإحتلالية وعن الرؤية والحلم الفلسطيني.

وفي الواقع إن زيارة رئيس الوزراء البرتغالي في ذلك الوقت كانت تتويجاً لعملية متواصلة متصاعدة، عمل لها أبو العبد وتوجها باستقبال الوفد في بيت الشرق والذي حوله إلى المقر الفلسطيني لاستقبال الزوار الكبار والوفود الرسمية، حيث كانت هذه الشخصية قبل بيت الشرق تلتقي بممثلي الدول في قنصلياتهم أو أماكن يحددها المسؤول. لذا فقد أصبح مبنى بيت الشرق المقر الرسمي للوفد الفلسطيني، وكانت الشخصيات الفلسطينية والممثلة للتيارات المتعددة تلتقي فيه وتعمل على تنسيق المواقف ووضع الأجندة والأولويات الفلسطينية قبل الالتقاء مع الوفود لعرض الموقف الفلسطيني، وفي هذا الإطار كان أبو العبد يعطي للرمزية وللبروتوكول أهمية كبرى كما هو الحال مع محتوى المحادثات مع الضيوف الرسميين الكبار، حيث كانت قاعة الاجتماعات تجهز حسب الأصول الرسمية للبروتوكول ويوضع العلم الفلسطيني بشكل دائم فيها مقابل علم الضيف الزائر، وعند استقباله للضيف والتسليم عليه كان يؤكد على الترحيب به قائلا له:

"أهلاً بك في عاصمتنا القدس الشريف، عاصمة فلسطين المستقبلية".

وهكذا بين ليلة وضحاها أصبح هناك عنواناً ومقراً فلسطينياً معترف به عالمياً تتجمع فيه القيادات الفلسطينية ولتطرح المواقف وتدلي بالتصريحات لوسائل الإعلام المحلية والعالمية، وليس عجباً والحال كذلك أن يحاصر الطرف الإسرائيلي بيت الشرق ويمنع الزوار من الوصول إليه أحياناً ويعتقل موظفيه أحياناً أخرى بعد أن فرض بيت الشرق نفسه في المعادلة الإقليمية والدولية برمزيته التي ارتبطت بالقدس.

وفي الحديث عن المعادلة والتوازنات، لم يكن أبو العبد يتردد في التأكيد لصانعي القرار في عواصمهم، وبعد دخول القيادة الفلسطينية إلى فلسطين بأن الذي يوازي تل أبيب هي غزة ورام الله، والذي يوازي القدس الغربية هي القدس الشرقية، وعليه فإن زيارة القدس الشرقية لأي شخصية كبيرة تدلل على أرض الواقع رفض الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته في المدينة المقدسة، ولم يكن أبو العبد ليتوقف عند هذا الحد، ففي اجتماعاته المتعددة كان يحث الزوار أن يعطوا وقتاً أكبر لزيارتهم القدس الشرقية للتعرف والوقوف على سياسات إسرائيل غير الشرعية، وخاصة سياساتها الهادفة إلى تغيير الوضع الديمغرافي والجغرافي للقدس العربية، فإن لم يأخذهم إلى مخيم الصمود والذي أسكن فيه المقدسين الذين حرموا من حق العيش في القدس الشرقية بسحب بطاقاتهم الزرقاء، فإنه كان يأخذ زواره إلى المؤسسات المقدسية بقطاعاتها المختلفة أو زيارة البلد القديمة لإثبات عروبة وثقافة القدس.

وفي اجتماعاته السياسية اللاحقة مع كبار الزوار في المؤسسات الفلسطينية، سواء الصحية أو الثقافية منها فكان يهدف إلى لفت الانتباه إلى احتياجات المؤسسات المقدسية والصعوبات التي تواجهها بسبب الحصار الإسرائيلي على القدس وخنقه للحياة السياسية والثقافية والاقتصادية، وفي هذا السياق كان أبو العبد يعتبر كل مؤسسة وكل بيت في القدس الشرقية "بيت الشرق" فكان يعتبر أن البناية برمزيتها تمثل القدس العربية. وفي المقابل كان أبو العبد يرى أن إسرائيل بعد عام 1993، بدأت حرباً شرسة ضد الوجود الفلسطيني في المدينة، وعليه بدأت بتنفيذ خطة أو استراتيجية من ثلاث حلقات كما وصفها وهي:

العزل: بحيث يتم عزل المدينة عن المحيط الفلسطيني حولها، وإحاطتها بنقاط تفتيش ومراقبة إسرائيلية، وذلك لإضعاف القدس ومؤسساتها والتي أُقيمت لتخدم ليس فقط المقدسين ولكن المحيط الفلسطيني أيضاً، والحلقة الثانية من العزل كما وصفها السيد فيصل هي عزل أبناء المدينة عن مؤسساتهم في المدينة بإغلاق بعضها وإضعاف البعض الآخر، ومنع مؤسسات لها لتكون البديل، أما الحلقة الثانية: فهي عزل القدس عن المجتمع الدولي لمحاولة منع أي نوع من النشاط الدبلوماسي أو السياسي أو الدولي فيها.

عملية الطرد: فحددها أبو العبد بالطرد الجسدي بفقدان المقدسي حقه في الإقامة في القدس، والطرد الاقتصادي: من خلال الضرائب المرتفعة وحصار القدس مما دفع التجار والمؤسسات للخروج من المدينـة.

الإحلال: الحلقة الرئيسية الثالثة في الاستراتيجية الإسرائيلية وكما وصفها هي الإحلال، التي تسمح ببناء امتداد استيطاني إسرائيل داخل المدينة وحولها للانقضاض عليها.

وفي مواجهة هذه السياسات عمل أبو العبد وبيت الشرق والمؤسسات الاقتصادية ذات الاختصاص من أجل زيادة الكثافة السكانية في القدس من خلال دعم مشاريع الإسكان، وزيادة الاستثمار في الخدمات السياحية، وحماية المؤسسات ودعمها وتطويرها ورفع مستواها، وقد حاول جهده إعادة فرض القدس على البرامج الدولية، ولم يدخر جهدا بترميم الأبنية القديمة والمعالم التاريخية من أجل الحفاظ على التراث العربي، الإسلامي والمسيحي، وكان حلمه ببناء حزام سكاني فلسطيني في محيط محافظة القدس ضمن منطقة (ب) والتوسع نحو مناطق (ج) لتكون جذابة للعمل والسكن لضمان التواصل مع الضفة الغربية، وكل هذا بسبب إدراكه التام بأهمية  تطوير وتثبيت مؤسساتنا وإيجاد وفرض واقع سكاني فلسطيني داخل مدينــة القدس ومحيطهـا.

أما على الصعيد الدبلوماسي فقد كان ما حصل في زيارة وزير الخارجية البريطاني (روبن كوك) للمنطقة ورضوخه للضغوطات الإسرائيلية بعدم زيارة بيت الشرق دليلا آخراً على مكانة مؤسسات القدس لدى أبو العبد، فلم يكتفِ بزيارة الوزير له في جبل أبو غنيم، حيث كان يقبع في خيمة الاعتصام احتجاجاً على بداية عملية الاستيطان في تلك المنطقة، فأكد على زيارة الوزير أيضا إلى مؤسسات فلسطينية في القدس، واختار له جامعة القدس (كلية الآداب للبنات)، ومر الوزير من المدخل المؤدي إلى النصب التذكاري لمذبحة دير ياسين للتعبير عن الاحترام لما يرمز له هذا النصب للشعب الفلسطيني وذلك قبل الدخول إلى قاعة الاجتماعات للاجتماع مع الوفد الفلسطيني المقدسي برئاسة المرحوم فيصل الحسيني. وكما هي الحال في هذه الزيارات كانت زيارات وزراء الخارجية وغيرهم من الشخصيات الكبرى إلى القدس الشرقية تجري ومن وراء الكواليس صراع الارادات، حيث كانت إسرائيل تضع كل العراقيل والضغوطات لمنع الزيارات إلى القدس الشرقية، بينما الطرف الفلسطيني، وبإدارة أبو العبد المباشرة، يدير المعركة مع عاصمة الوزير الزائر من جهة، والحكومة الإسرائيلية من جهة أخرى لتثبيت الزيارة للقدس الشرقية وعدم إعفاء الدول من التزاماتها الدولية والمعنوية تجاه القضية الفلسطينية أولا، والقدس ثانياً، حتى أصبحت زيارة القدس الشرقية من أشرس المعارك الذي كانت تخوضها القيادة. وليس خافياً على أحد أن أبو العبد كان يتابع ترتيب النشاط الدبلوماسي بدقة ويسهر الليالي لتثبيت الموقف الفلسطيني. وكم هي المرات التي أدار أبو العبد فيها المفاوضات مع القنصليات والممثليات المعتمدة هنا لمنتصف الليل، حيث كنت ترى وجهه قد احمر وعروقه قد انتفخت غضباً في لحظة الحسم مع ممثلي الدول.

هذا وقد كان التنسيق مستمراً في كل هذا مع الرئيس أبو عمار، حيث كان موقف السلطة الداعم الأكبر أو الرافعة لتثبيت المكتسبات الفلسطينية في القدس، وللدلالة على هذا فقد رفض سيادة الرئيس استقبال رئيسة البرلمان الأوروبي السيدة (نيقول فونتين) عند رفضها الالتقاء بأبي العبد في القدس الشرقية خنوعاً للطلب الإسرائيلي.

أما في جولته العربية والأوروبية، فكان فيصل يحمل هموم المدينة، ولكن في نفس الوقت كان يحمل آمال المستقبل من خلال رؤيته الثاقبة لمستقبل القدس، حيث كان يرى دائما أنه يمكن للقدس أن تكون الشمس الساطعة لشرق أوسط جديد، وفي هذا السياق وبينما كان يشتكي لمحاوريه الممارسات الإسرائيلية، وخاصة الاستيطانية منها وامتدادها لعزل القدس العربية، كان في الطرف الآخر يظهر الامتداد العمراني الفلسطيني وإمكانية تطويره لتطويق النشاط الاستيطاني. وإذا تصادف غيابه عن الوطن مع زيارة مسؤول كبير أوروبي إلى القدس فكان يحرص أن تلتقي به الشخصيات الفلسطينية بدونه باعتبار أن القدس بشخصياتها وممثليها تستمر في مواصلة مسيرة التحدي والتواصل وتسجيل المواقف، وهنا حاول إيراد رسالة مفادها بأنه إذا غاب فيصل فرجال القدس سوف يستمرون برفع الراية والحفاظ على الإنجازات والبناء عليهـا.

فبفكر فيصل ومثابرته وتحديه الدائم للاحتلال استطاع أن يجعل من القدس العاصمة الحقيقية لدولة فلسطين، والتي تنتظر دحر الاحتلال لرفع العلم الفلسطيني مرفرفاً ليس فقط على بناية بيت الشرق بل على أسوارها ومساجدها وكنائسها.

وفي خضم كل هذا كان بيت الشرق وبتوجيهات أبو العبد ومشاركته منشغلا بفتح قنوات تفاوضية مع عدة دوائر إسرائيلية لطرح المواقف، ومحاولة إيجاد نقاط تفاهم مشتركة للتحضير لمفاوضات الحل النهائي بطرح الموقف الفلسطيني التفصيلي حول القدس والقضايا الأخرى، وبهذا نجح بيت الشرق بكسر المحرمات الإسرائيلية حول الحديث عن القدس مع هذه الدوائر، حيث كان الحديث حول هذه القضايا وخاصة موضوع القدس، تعتبر من المحرمات لدى المسؤولين الإسرائيليين فيما مضـى.

وهكذا فقد عاش فيصل ومات من أجل القدس وتحريرها، وقد تحررت بالفعل يوم موته، وها نحن ننتظر ونعمل حتى يتم التحرير الكامل لكل ترابها ومقدساتها، لتكون العاصمة الرسمية والدائمة للدولة الفلسطينية المستقلة كما أراد لها أن تكـون.